الشنقيطي
294
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وفي الوقت الذي يدفع الغني فيه جزءا من ماله يستشعر أنه يدفعه لوجه اللّه وينتظر أجره جل وعلا ، فأصبحت الزكاة بين عامل متحفظ ، وبين مالك متطوع عامل يخشى قوله صلى اللّه عليه وسلم : « واتق دعوة المظلوم ، فإنه ليس بينها وبين اللّه حجاب » « 1 » ، ومالك يرجو في الحسنة عشر أمثالها وسبعمائة ، وزيادة مضاعفة . وقد وقعت قضية مذهلة لم يشهد نظام مالي في العالم مثلها ، وهي أنه : ذهب عامل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للصدقة فمر برجل في قرية قريبة من المدينة بصاحب إبل فحسبها . فقال لصاحبها : أخرج بنت لبون . فقال صاحب الإبل : كيف أخرج بنت لبون في الزكاة ، وهي لا ظهر يركب ولا ضرع يحلب ، ولكن هذه ناقة كوماء ، فخذها في سبيل اللّه . فقال العامل : وكيف آخذ شيئا لم يجب عليك ؟ فتلاحيا معا ، العامل وصاحب المال وأخذا ، قال له العامل : إن كنت ولا بد مصرّا فها هو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منك قريب بالمدينة . اذهب بها إليه فإن قبلها منك أخذتها ، فذهب بها ، فقال له صلى اللّه عليه وسلم : « أعن طيب نفس » ؟ قال نعم يا رسول اللّه . فأمر العامل بأخذها ، فدعا له صلى اللّه عليه وسلم بالبركة فعاش حتى عهد معاوية « 2 » . فكانت زكاة إبله هذه هي روح الزكاة في الإسلام لا ما يفعله أصحاب الأموال في النظم الأخرى . أما نظام الضرائب حيث يتهربون ، ويقللون ويتخذون دفاتر متعددة بعضها لمصلحة الضرائب يقلل فيها دخله وكسبه لتخف الضريبة عليه ، لأنه يراها مغرما كالجزية ، وبعضها لنفسه ليعرف حقيقة ماله . أما الزكاة فإن مالكها يقدم زكاتها لوجه اللّه ليطهر ماله لقوله تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [ التوبة : 103 ] . وكما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن أحدكم ليتصدق بالصدقة وإنها لتقع أول ما تقع في كف الرّحمن فينميها له كما ينمي أحدكم فلوه - أي ولد فرسه - حتى تكون مثل جبل أحد » « 3 » .
--> - 1783 . ( 1 ) هو الحديث المتقدم . ( 2 ) أخرجه عن أبي بن كعب أبو داود في الزكاة حديث 1583 . ( 3 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الزكاة حديث 1410 ، والتوحيد حديث 7431 ، ومسلم في الزكاة حديث 63 و 64 ، والترمذي في الزكاة حديث 661 و 662 ، والنسائي في الزكاة ، باب الصدقة من الغول ، وابن ماجة في الزكاة ، باب فضل الصدقة .